حيدر حب الله

463

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) ، وفي الآية للاحقة جاء قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) ، فالسياق ليس سياق تأسيس قاعدة في الأعمال بقدر ما المراد من الحصر هو ما قابل وأضيف إلى من تخاطبهم الآيات من أهل الكتاب ، فكأنّ الآية تريد أن تقول : إنّ أهل الكتاب انحرفوا عن المسار الصحيح ، فهم لم يؤمروا بما يدّعون ، بل أمروا بعبادة الله وحده حنفاء على ديانة إبراهيم ، وأين هذا المعنى من استدلال المستدلّ هنا ؟ ! فإنّ الآية لا يُفهم منها أنّ كلّ أمر من عند الله هو عبادي ، وإنّما يفهم منها أنّ الله لم يأمر بعبادة سواه خلافاً لما فعله المشركون وأهل الكتاب ، ولا أقلّ من عدم ظهورالآية فيما يطرحه المستدلّ هنا . أمّا الحديث الشريف ، فإنّ المفهوم منه - لا سيما بقرينة ذيله - أنّ الإنسان يحاسب على قصده ونيته ، فمن هاجر لله كان قصده لله وهو الذي يثيب ، وأمّا من هاجر للدنيا وللنكاح وللتجارة فليس له عند الله سوى هذا ، فاقتطاع هذا الذيل أوهم أنّ الحديث مرتبطٌ بهذا الموضوع ، وبعبارة أخرى : لا يريد الحديث أنّ يقول لا يُعمل عملٌ ولا يصحّ إلا بقصد القربة ، وإنّما يريد أن يقول بأنّ الإنسان في مآلاته وثوابه وعقابه رهينُ ما يقصد ، وإلا لو أخذ المعنى العام الذي قصده المستدلّ هنا للزم تخصيص الأكثر المستهجن عرفاً ، أو إطلاق العام وإرادة الجزء الأقلّ منه ، بعد العلم بعدم كون الأغلبية الساحقة من أعمال الناس من نوع العبادات القربيّة كما هو واضح . هذا ، وقد أقرّ الشيخ المنتظري هنا بأنّه لو صحّ الاستدلال بهذه النصوص وأمثالها للزم تخصيص الأكثر المستهجن عرفاً ، فإنّ أكثر الأعمال لا تقع قربيّةً في الشرع « 1 » ،

--> ( 1 ) المنتظري ، كتاب الزكاة 4 : 237 .